تلخيص ما يتعلق بالقضاء

من كتاب (الطرق الحكمية)

للإمام ابن قيم الجوزية

الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد, فهذا تلخيص للمسائل المتعلقة بالقضاء من كتاب (الطرق الحكمية) للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله.

وجلُّ ما يتعلق بالقضاء في هذا الكتاب يدور على طرق الحكم حيث ذكر منها ابن القيم ستة وعشرين طريقا إضافة إلى طريق العمل بالفراسة والقرائن, وتكلم عن أمور تتعلق بأصول التقاضي والدعاوي والبينات والأيمان.

أولاً: العمل بالفراسة والقرائن.

الفراسة: هي نوع من العلم يعرف به أحوال الناس بالدلائل والأمارات. ويدخل فيها عند ابن القيم كل ما فيه فطنة وذكاء وسرعة بديهة.

  • والدليل على العمل بها في الحكم:

1- أن الله مدح أهلها بقوله تعالى: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين},  وهم المتفرسون الآخذون بالسيما، وهي العلامة.

2- القياس على الحكم باللوَث والقسامة فإنه اعتماد على ظاهر الأمارات.

3- أن اللقطة تدفع إلى واصفها, فكان وصفه لها قائما مقام البينة, فكذلك الفراسة.

4- حكم رسول الله r والخلفاء من بعده بالقافة وجعلها دليلا من أدلة ثبوت النسب, وليست القيافة إلا مجرد الاعتماد على الأمارات والعلامات.

5- أن الصحابة كانوا يكشفون عن مآزر الأسرى من قريظة بامر رسول الله r فيعلمون بذلك البالغ من غيره.

6- أنك غذا رأيت هاربا في يده عمامة وعلى رأسه أخرى, وخلفه يعدو رجل ذو هيئة حاسر الرأس؛ تعلم علما ضروريا أن العمامة ليست للذي هي بيده بل للثاني, وهذا حكم بالفراسة.

ولم يزل حذاق الحكام والولاة يستخرجون الحقوق بالفراسة والأمارات، فإذا ظهرت لم يقدموا عليها شهادة تخالفها ولا إقرارا ولا

حيازة.

وقد صرح الفقهاء كلهم بأن الحاكم إذا ارتاب بالشهود فرقهم وسألهم: كيف تحملوا الشهادة؟ وأين تحملوها؟ وذلك واجب عليه متى عدل عنه أثم وجار في الحكم.

وكذلك إذا ارتاب بالدعوى سأل المدعي عن سبب الحق، وأين كان، ونظر في الحال: هل يقتضي صحة ذلك؟ وكذلك إذا ارتاب بمن القول قوله كالأمين والمدعى عليه وجب عليه أن يستكشف الحال ويسأل عن القرائن التي تدل على صورة الحال.

وقل حاكم أو والٍ اعتنى بذلك وصار له فيه ملكة إلا وعرف المحق من المبطل، وأوصل الحقوق إلى أهلها.

  • أمثلة للحكم بالقرائن.

1- عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتته امرأة فشكرت عنده زوجها وقالت : هو من خير أهل الدنيا، يقوم الليل حتى الصباح ويصوم النهار حتى يمسي، ثم أدركها الحياء، فقال : جزاك الله خيرا فقد أحسنت الثناء . فلما ولَّت قال كعب بن سور: يا أمير المؤمنين، لقد أبلغت في الشكوى إليك، فقال: وما اشتكت؟ قال: زوجها. قال: عليَّ بهما .

فقال لكعب : اقض بينهما، قال: أقضي وأنت شاهد؟ قال: إنك قد فطنت إلى ما لم أفطن له، قال: إن الله تعالى يقول: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} صم ثلاثة أيام وأفطر عندها يوما, وقم ثلاث ليال وبت عندها ليلة.

2- تقلد القضاء بواسط رجل ثقة، فأودع رجل بعض شهوده كيسا مختوما، وذكر أن فيه ألف دينار, فلما طالت غيبة الرجل فتق

الشاهد الكيس من أسفله وأخذ الدنانير, وجعل مكانها دراهم، وأعاد الخياطة كما كانت.

وجاء صاحبه، فطلب وديعته، فدفع إليه الكيس بختمه لم يتغير، فلما فتحه وشاهد الحال رجع إليه، فقال: إني أودعتك دنانير والذي دفعت إلي دراهم، فقال: هو كيسك بخاتمك فاستعدى عليه القاضيَ، فأمر بإحضار المودَع، فلما صارا بين يديه قال له القاضي: منذ كم أودعك هذا الكيس؟ فقال: منذ خمس عشرة سنة، فأخذ القاضي تلك الدراهم وقرأ سكتها، فإذا فيها ما قد ضرب من سنتين أو ثلاث، فأمره بدفع الدنانير إليه، وأسقطه ونادى عليه.

3- واستودع رجل لغيره مالا ، فجحده، فرفعه إلى إياس فسأله فأنكر ؟ فقال للمدعي: أين دفعت إليه؟ فقال: في مكان في البرية، فقال: وما كان هناك قال: شجرة، قال: اذهب إليها فلعلك دفنت المال عندها ونسيت، فتذكر إذا رأيت الشجرة؛ فمضى وقال للخصم: اجلس حتى يرجع صاحبك، وإياس يقضي وينظر إليه ساعة بعد ساعة.

ثم قال له: يا هذا، أترى صاحبك قد بلغ مكان الشجرة؟ قال: لا، قال: يا عدو الله، إنك خائن، قال: أقلني، قال: لا أقالك الله, وأمر أن يحتفظ به حتى جاء الرجل، فقال له إياس: اذهب معه فخذ حقك.

4- خاصم غلام من الأنصار أمه إلى عمر بن الخطاب فجحدته، فسأله البينة فلم تكن عنده، وجاءت المرأة بنفر فشهدوا أنها لم تتزوج وأن الغلام كاذب عليها وقد قذفها. فأمر عمر > بضربه فلقيه علي > فسأل عن أمرهم فأخبر فدعاهم، ثم قعد في مسجد النبي r وسأل المرأة فجحدت، فقال للغلام: اجحدها كما جحدتك، فقال: يا ابن عم رسول الله ! إنها أمي، قال: اجحدها وأنا أبوك والحسن والحسين أخواك، قال: قد جحدتها وأنكرتها.

فقال علي لأولياء المرأة: أمري في هذه المرأة جائز؟ قالوا: نعم، وفينا أيضا، فقال علي: أشهد من حضر أني قد زوجت هذا الغلام من هذه المرأة الغريبة منه، يا قنبر ائتني بطينة فيها درهم فأتاه بها فعدَّ أربعمائة وثمانين درهما فدفعها مهرا لها. وقال للغلام: خذ بيد امرأتك، ولا تأتنا إلا وعليك أثر العرس، فلما ولى قالت المرأة: يا أبا الحسن، الله الله هو النار، هو والله ابني. قال: وكيف ذلك؟ قالت: إن أباه كان زنجيا، وإن إخوتي زوجوني منه، فحملت بهذا الغلام. وخرج الرجل غازيا فقتل، وبعثت بهذا إلى حي بني فلان, فنشأ فيهم، وأنفت أن يكون ابني، فقال علي: أنا أبو الحسن، وألحقه بها وثبت نسبه.

5- ورفع إلى بعض القضاة رجل ضرب رجلا على هامته، فادعى المضروب أنه أزال بصره وشمه، فقال: يمتحن بأن يرفع عينيه إلى قرص الشمس، فإن كان صحيحا لم تثبت عيناه لها، وينحدر منهما الدمع, وتحرق خرقة وتقدم إلى أنفه فإن كان صحيح الشم بلغت الرائحة خيشومه ودمعت عيناه.

6- ويفرق بين الركاز واللقطة بالعلامات, فيعرف الركاز بظهور علامة الجاهلية عليه كأسماء ملوكهم وصورهم, وما كان عليه علامات المسلمين كأسمائهم وذكر الله فهو لقطة.

7- ومن حسن التصرف: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، إن لي جارا يؤذيني، قال: “انطلق فأخرج متاعك إلى الطريق”، فانطلق فأخرج متاعه, فاجتمع الناس إليه, فقالوا: ما شأنك؟ فقال: إن لي جارا يؤذيني, فجعلوا يقولون: اللهم العنه، اللهم أخرجه, فبلغه ذلك، فأتاه فقال: ارجع إلى منزلك، فوالله لا أوذيك أبدا.

8- ومن الفطنة وسرعة البديهة: أن بعض الولاة أحضر له شخصان متهمان بسرقة، فأمر أن يؤتى بكوز من ماء، فأخذه بيده ثم ألقاه عمدا فانكسر، فارتاع أحدهما وثبت الآخر فلم يتغير، فقال للذي انزعج: اذهب، وقال للآخر: أحضر العملة. فقيل له: ومن أين عرفت ذلك؟ فقال: اللص قوي القلب لا ينزعج، والبريء يرى أنه لو تحركت في البيت فأرة لأزعجته ومنعته من السرقة.

ثانياً: الطرق التي يحكم بها الحاكم (طرق غثبات الدعوى).

هي قسمان: إثبات وإلزام. فالإثبات: ما يقدمه المدعي لإثبات دعواه أو يكتشفه القاضي بالقرائن, وهذا يعتمد على الصدق. والإلزام: أن يلزم القاضي الخصمين بما ثبت لديه بالأدلة, وهذا يعتمد على العدل.

الطريق الأولى: الحكم باليد المجردة بدون يمين. ومن أمثلتها: ما يكون في يد الطفل مما انتقل إليه بالإرث, والكفن الذي على الميت, ومن ادعي عليه شيء في يده دعوى يكذبها الحسُّ كما إذا ادعى شخص على آخر أنه ابنه مع أنه أكبر منه, ففي كل هذه يقضى بالشيء لمن هو بيده من غير يمين.

الطريق الثانية: الحكم باليد مع اليمين. ومن أمثلتها: أن يدعي عليه شيئا بيده فانكر فسأل إحلافه فإنه يحلف. واليد ثلاثة: إما أن يعلم أنها مبطلة ظالمة فلا يلتفت إليها, أو أنها محقة عادلة فلا تسمع الدعوى عليها, أو أنها محتملة فتسمع الدعوى عليها ويحكم بها ما لم يوجد ما هو أقوى منها من بينة.

الطريق الثالثة: الحكم بالإنكار المجرد. ومن أمثلتها: إذا ادعى رجل دينا على ميت, أو أنه أوصى له بشيء, وللميت وصي بقضاء دينه وإنفاذ وصاياه فأنكر ولم يكن للمدعي بينة, لم يحلف الوصي بل يكفي إنكاره المجرد. وكذا إذا ادعى على القاضي أنه ظلمه في الحكم, أو على الشاهد أنه كذب عليه, وكذا دعوى الرجل على المرأة النكاح, ودعواها عليه الطلاق, مع عدم البينة في كل ذلك.

الطريق الرابعة: الحكم بالنكول مع يمين المدعي. ودليله: أن المقداد استسلف من عثمان سبعة آلاف درهم, فلما قضاها أتاه بأربعة آلاف، فقال عثمان: إنها سبعة، فقال المقداد: ما كانت إلا أربعة، فما زالا حتى ارتفعا إلى عمر، فقال المقداد: يا أمير المؤمنين، ليحلف أنها كما يقول، وليأخذها. فقال عمر: أنصفك، احلف أنها كما تقول، وخذها. فهؤلاء ثلاثة من الصحابة عملوا برد اليمين.

قال شيخ الإسلام: كل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به, فرد المدعى عليه اليمين، فإن المدعي إن حلف استحق، وإن لم يحلف لم يحكم له بمجرد نكول المدعى عليه. وهذا كحكومة عثمان والمقداد، فإن المقداد قال لعثمان: احلف أن الذي دفعته إليَّ كان سبعة آلاف وخذها, فإن المدعي هنا يمكنه معرفة ذلك والعلم به، كيف وقد ادعى به!

وكذلك لو ادعى عليه: أن فلانا أحالني عليك بمائة، فأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين، وقال للمدعي: أنا لا أعلم أن فلانا أحالك ولكن احلف وخذ. فهاهنا إن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه.

الطريق الخامسة: الحكم بالنكول المجرد. ودليله أن عبد الله بن عمر باع غلاما له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي ابتاعه لعبد الله: بالغلام داء لم تسمِّه؟ فقال عبد الله: إني بعته بالبراءة، فاختصما إلى عثمان بن عفان, فقضى على عبد الله بن عمر باليمين، أن يحلف له: لقد باعه الغلام وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف له، وارتجع العبد.  وقال به أبو حنيفة وأحمد.

وقيل: لا يقضى بمجرد النكول, بل ترد اليمين على المدعي, وهو قول مالك والشافعي.

وقيل: بل يجبره القاضي على اليمين بالضرب والحبس, وهو قول الظاهرية, قالوا: ولا ترد اليمين إلا في القسامة, والوصية في السفر إذا لم يشهد فيها إلا الكفار, وإذا أقام شاهدا واحدا فحلف معه.

قال شيخ الإسلام: وأما إذا كان المدعي لا يعلم ذلك، والمدَّعى عليه هو المنفرد بمعرفته، فإنه إذا نكل عن اليمين حكم عليه بمجرد النكول، ولم ترد على المدعي، كحكومة عبد الله بن عمر وغريمه في الغلام؛ فإن عثمان قضى عليه أن يحلف أنه باع الغلام وما به داء يعلمه, وهذا يمكن أن يعلمه البائع، فإنه إنما استحلفه على نفي العلم: أنه لا يعلم به داء، فلما امتنع من هذه اليمين قضى عليه بنكوله.

وعلى هذا: إذا وجد بخط أبيه في دفتره: أن له على فلان كذا وكذا، فادعى به عليه، فنكل, وسأله إحلاف المدعي: أن أباه أعطاني هذا، أو أقرضني إياه، لم ترد اليمين على المدعي، بل قضي بمجرد نكول المدعى عليه؛ لأنه الذي يعلم ذلك دون المدعي.

وهذا الذي اختاره شيخنا رحمه الله هو فصل النزاع في النكول ورد اليمين، وبالله التوفيق.

* فائدة: إذا ردت اليمين على المدعي، فهل تكون يمينه كالبينة أم كإقرار المدعى عليه؟ فيه قولان للشافعي, أظهرهما: أنها كالإقرار, وعلى هذا: لو أقام المدعى عليه بينة بالأداء أو الإبراء بعد ما حلف المدعي؛ لم تسمع، لكونها مكذبة لإقراره, وإن قيل: يمينه كالبينة سُمعت بينة المدعى عليه بعدُ.

وعند رد اليمين لا يشترط إذن الناكل على ظاهر كلام أحمد؛ لأنه برغبته عن اليمين صار راضيا بيمين المدعي وكان ذلك كإذنه. وقال أبو الخطاب: لا ترد حتى يأذن؛ لأنها من جهته وهو أحق بها.

* وإذا قضي بالنكول فهل يكون كالإقرار أو كالبذل ؟ فيه وجهان، ينبني عليهما ما إذا ادعى نكاح امرأة واستحلفناها فنكلت، فهل يقضى عليها بالنكول وتجعل زوجته ؟ فإن قلنا : النكول إقرارٌ حُكِم له بكونها زوجته, وإن قلنا: بذل لم نحكم بذلك؛ لأن الزوجية لا تستباح بالبذل.

وكذلك لو ادعى أنه قذفه واستحلفنا المدعى عليه فنكل، فهل يحد للقذف؟ ينبني على ذلك. وكذلك الخلاف في مذهب أبي حنيفة ، فالنكول بذل عنده وإقرار عند صاحبيه. = والصحيح: أن النكول يقوم مقام الشاهد والبينة، لا مقام الإقرار.

الطريق السادسة: الحكم بالشاهد الواحد بلا يمين. ودليلها: قبول النبي r شهادة خزيمة بن ثابت في ابتياعه r الفرس من الأعرابي, وجعل شهادته شهادتين؛ للعلم بصدقه فيها, وكذا كل من عُلم صدقه. وقال r يوم حنين: “من قتل قتيلا ، له عليه بينة فله سلبه”و فقام ابو قتادة وشهد له واحد, فأعطي السلب. وهذا في غير الحدود.

ومن أمثلتها: إذا شهد برؤية هلال رمضان شاهد واحد؛ لحديث ابن عمر: تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله r أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام. رواه أبو داود. وفي خبر أهل الخبرة والطب كالموضحة وشبهها يكتفى بشهادة واحد, وفي داء الحيوان يؤخذ بقول بيطار واحد, نص عليه أحمد. وما لا يطلع عليه الرجال غالبا كالولادة والرضاع والحيض يقبل فيه شهادة امرأة واحدة على قول أحمد. وكذا تقبل شهادة الواحد بغير يمين في الترجمة والرسالة والجرح والتعديل.

الطريق السابعة: الحكم بالشاهد واليمين. ودليلها: ما رواه مسلم عن ابن عباس أن رسول الله r قضى بشاهد ويمين. ورواه جماعة من الصحابة. وهذا في الأموال وما يقصد به المال من العقود. وقال به فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة وأصحابه, واستدلوا بأنه خلاف كتاب الله. وأجيب بأنه موافق له بل السنة بينته والكتاب سكت عنه. وبأن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه. وأجيب بأن اليمين إنما تكون في جانب المدعى عليه غذا تقوى بالبراة الأصلية, فإذا ترجح جانب المدعي بلوث أو نكول أو شاهد؛ كان أولى باليمين لقوة جانبه.

ومما يثبت بالشاهد واليمين: الغصوب والعواري والوديعة والصلح والإقرار بالمال أو ما يوجب المال والحوالة والإبراء والمطالبة بالشفعة وإسقاطها والقرض.

* والحكم إنما هو بالشاهد الواحد, واليمين تقوية وتوكيد عند أحمد, وقال مالك والشافعي: الحكم بهما معا؛ لأن اليمين قامت مقام الشاهد. وعلى الأول: لو رجع الشاهد كان الضمان كله عليه, وعلى القول الثاني: عليه نصف الضمان.

الطريق الثامنة: الحكم بالنكول مع الشاهد. ودليلها: ما روي عن النبي r قال: “إذا ادعت المرأة طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد عدل استخلف زوجها, فإن حلف بطلت شهادة الشاهد, وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهد آخر, وجاز طلاقه”, رواه ابن ماجه وسنده ضعيف.

فوجود شاهدها مع نكوله يحكم بطلاقها وهذا قال به مالك في رواية اختارها أشهب, قال ابن القيم: وهذا في غاية القوة؛ لأن الشاهد والنكول سببان من جهتين مختلفتين، يقوى جانب المدعى بهما فحُكِم له، فهذا مقتضى الأثر والقياس.

الطريق التاسعة: الحكم بشهادة امرأتين ويمين المدعي. على قول مالك ورواية عن أحمد اختارها ابن تيمية وابن القيم. ودليلها: ظاهر القرآن والسنة والقياس؛ فإن الله أقام المرأتين مقام الرجل، والنبي r قال في الحديث الصحيح: “أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟” قلن: بلى، فهذا يدل بمنطوقه على أن شهادتها وحدها على النصف، وبمفهومه على أن شهادتها مع مثلها كشهادة الرجل، والقياس الصحيح يقتضي هذا؛ فإن المرأتين إذا قامتا مقام الرجل إذا كانتا معه, قامتا مقامه وإن لم تكونا معه، فإن قبول شهادتهما لم يكن لمعنى الرجل، بل لمعنى فيهما وهو العدالة, وهذا موجود فيما إذا انفردتا، وإنما يخشى من سوء ضبط المرأة وحدها وحفظها، فقويت بامرأة أخرى.

الطريق العاشرة: الحكم بالشاهدين بدون يمين أو مع اليمين. دليلها: قوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم}. وروي عن شريح والشعبي والأوزاعي وغيرهم استحلاف الرجل مع بينته, وهذا القول ليس ببعيد من قواعد الشرع عند احتمال التهمة, وأما بدون التهمة فلا وجه له، وقد قال النبي r للمدعي: “شاهداك أو يمينه”، فقال: يا رسول الله، إنه فاجر لا يبالي ما حلف عليه، فقال: ليس لك إلا ذلك.

والمواضع التي يحكم فيها بالشاهدين: المال وما يقصده به, كالبيع والشراء وتوابعهما: من اشتراط صفة في المبيع، أو نقد غير نقد البلد، والإجارة والجعالة والمساقاة والمزارعة والمضاربة والشركة والهبة.

الطريق الحادية عشرة: الحكم بشهادة الرجل والمرأتين([1]). قال تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}. ولا يشترط فقدُ الرجلين عند الحكم بشهادة رجل وامرأتين؛ لأن المعنى فإن لم تفعلوا هذا فافعلوا هذا, فهو تخيير, فالرجل والمراتان أصل لا بدل.

قال شيخ الإسلام: فيه دليل على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لإذكار إحداهما الأخرى إذا ضلت، وهذا إنما يكون فيما يكون فيه الضلال في العادة، وهو النسيان وعدم وعدم الضبط, فما كان من الشهادات لا يخاف فيه الضلال في العادة لم تكن فيه على نصف رجل، مثل ما تراها بعينها أو تلمسها بيدها أو تسمعها بأذنها من غير توقف على عقل، كالولادة والاستهلال والارتضاع والحيض والعيوب تحت الثياب, بخلاف معاني الأقوال التي تحتاج غلى تعقل كالإقرار بالدين وغيره.

* وتقبل شهادة الرجل والمرأتين في كل موضع تقبل فيه الشاهد مع اليمين, وقال عطاء وحماد بن أبي سليمان: تقبل شهادة رجل وامرأتين في الحدود والقصاص، وفي رواية عند الحنابلة: تقبل أيضاً في النكاح والعتاق والجنايات الموجبة للمال, وقال أبو حنيفة: تقبل في جميع الأحكام إلا القصاص والحدود.

* وشهادة النساء أنواع: نوع تقبل فيه النساء منفردات وهو ما لا يطلع عليه الرجال كعيوب النساء، ونوع لا يقبلن فيه إلا مع الرجال كالأموال، ونوع لا يقبلن فيه مطلقا كالحدود والقصاص. وقد اختلف السلف في ذلك في مواضع اختلافا كثيرا تركنا تفصيله. وفي الباب حديثان وأثر. فالأول: حديث عقبة بن الحارث في الصحيحين: أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، قال: فذكرت ذلك للنبي r فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت ذلك له قال: “فكيف! وقد زعمت أن قد أرضعتكما”. والثاني: ما روي عن حذيفة أن النبي r أجاز شهادة القابلة. رواه الدارقطني والبيهقي وغيرهما, وهو ضعيف. والأثر ما روي عن علي t أنه أجاز شهادة القابلة. وهو ضعيف أيضاً.

ثم قال الشافعي وداود: لا يقبل أقل من أربع نسوة مطلقا, وقال مالك والليث: يقبل امرأتان في كل ما لا يطلع عليه الرجال غالبا, وقال أبو حنيفة وأحمد: يقبل فيه قول امرأة واحدة, واستثنى أبو حنيفة الرضاع فلا يقبل فيه قول النساء منفردات.

الطريق الثانية عشرة: الحكم بشهادة امرأتين فقط بدون يمين. في كل ما لا يطلع عليه كعيوب النساء تحت الثياب والبكارة والثيوبة والولادة والحيض والرضاع, نص عليه أحمد في رواية. والفرق بين هذا وبين الشاهد واليمين: أن المغلَّب في هذا الباب هو الإخبار عن الأمور الغائبة التي لا يطلع عليها الرجال فاكتفي بشهادة النساء بلا يمين, وفي باب الشاهد واليمين: الشهادةُ على أمور ظاهرة يطلع عليها الرجال في الغالب، فإذا انفرد بها الشاهد الواحد احتيج إلى تقويته باليمين.

الطريق الثالثة عشرة: الحكم بثلاثة رجال. وذلك فيما إذا ادعى الفقر من عرف غناه، فإنه لا يقبل منه إلا ثلاثة شهود، وهذا منصوص الإمام أحمد. ودليله: حديث قبيصة بن مخارق أن النبي r قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال: سدادا من عيش, ورجل أصابته فاقة حتى يقوم له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة، فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال: سدادا من عيش, فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا. رواه مسلم

وهذا العدد مشروط في باب أخذ الزكاة وحل المسألة ودعوى الإعسار المسقط لأداء الديون ونفقة الأقارب والزوجات.

الطريق الرابعة عشرة: الحكم بأربعة رجال أحرار. وذلك في حد الزنا واللواط، أما الزن فبالنص والإجماع، وأما اللواط فهو داخل في حكم الزنا إما بالقياس أو بالعموم, وهذا مذهب الشافعي وأحمد. ودليله: قوله تعالى لقوم لوط: {أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون}, وقال في الزنا: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم}.

وألحق الحسن البصري بالزنا في اعتبار أربعة شهود: كل ما يوجب القتل، وحكي ذلك رواية عن أحمد. وقياس هذا على الزنا ممتنع؛ لأن الله غلظ أمر البينة والإقرار في باب الفاحشة سترا لعباده، وشرع فيها عقوبة القذف والقتل على أغلظ الوجوه وأكرهها

للنفوس، فلا يصح إلحاق غيرها بها.

ومن لا يرى فيه الحد بل التعزير فقط قال: يكتفى فيه بشاهدين كسائر المعاصي التي لا حد فيها، وصرحت به الحنفية وهو مذهب أبي محمد بن حزم. ومن جعل حده القتل بكل حال محصنا كان أو بكرا قال: يكتفى فيه بشاهدين كالردة والمحاربة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي، وهو مذهب المالكية لكن صرحوا بأنه لا يقبل فيه أقل من أربعة؛ لأن عقوبته عقوبة الزاني المحصن، وهو الرجم بكل حال.

الطريق الخامسة عشرة: الحكم بشهادة العبد والأمة. في كل ما يقبل فيه شهادة الحر والحرة, هذا الصحيح من مذهب أحمد خلافا للجمهور، وعنه تقبل في كل شيء إلا في الحدود والقصاص لاختلاف العلماء في قبول شهادته، فلا ينتهض سببا لإقامة الحدود التي مبناها على الاحتياط. والصحيح الأول. وقد حكي إجماع قديم، حكاه الإمام أحمد عن أنس بن مالك t أنه قال: “ما علمت أحدا رد شهادة العبد”, وهذا يدل على أن ردها إنما حدث بعد عصر الصحابة.

وقبول شهادة العبد: هو موجب الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وصريح القياس وأصول الشرع، وليس مع من ردها كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس. فيدل عليه عموم قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس} والوسط العدل الخيار، وقوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}, وقوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم}, وقوله: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله}، وهو من الذين آمنوا قطعا ، فيكون من الشهداء كذلك .  وفي الحديث المعروف المرفوع: {يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين}، والعبد يدخل في ذلك.  ولأن المقتضى لقبول شهادة المسلم عدالته وغلبة الظن بصدقه وعدم تطرق التهمة إليه، وهذا بعينه موجود في العبد. وأجاز شهادة العبد علي وأنس رضي الله عنهما.

وقد اختلف الناس في ذلك: فردتها طائفة مطلقا، وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة؛ قياسا على الكافر، لأنه منقوص بالرق، وذلك بالكفر، وهذا من أفسد القياس. وقبلتها طائفة مطلقا إلا لسيده, وهذا مذهب أحمد, وقبلتها طائفة مطلقا حتى لسيده, وأجازتها طائفة في الشيء اليسير دون الكثير، وهذا قول إبراهيم النخعي.

الطريق السادسة عشرة: الحكم بشهادة الصبيان المميزين. وهذا موضع اختلف فيه الناس: فردتها طائفة مطلقا، وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه. وقبلتها طائفة مطلقا إذا وجدت فيه بقية الشروط، وهذا رواية عن أحمد. وقبلتها طائفة في جراح بعضهم بعضا إذا أدوها قبل تفرقهم، وهذا قول مالك ورواية عن أحمد.

وقد أجاز شهادة الصبيان: علي ومعاوية وابن الزبير وكثير من التابعين. وشرط قبول شهادتهم: كونهم يعقلون الشهادة، وأن يكونوا ذكورا أحرارا, محكوما لهم بحكم الإسلام, اثنين فصاعدا، متفقين غير مختلفين، ويكون ذلك قبل تفرقهم وإخبارهم، ويكون ذلك لبعضهم على بعض، ويكون في القتل والجراح خاصة.

الطريق السابعة عشرة: الحكم بشهادة الفساق. فإذا غلب على الظن صدق الفاسق قبلت شهادته وحكم بها، والله سبحانه لم يأمر برد خبر الفاسق، فلا يجوز رده مطلقا، بل أمر بالتثبت فيه حتى يتبين هل هو صادق أو كاذب؟ فإن كان صادقا قبل قوله وعمل به، وفسقه عليه، وإن كان كاذبا رد خبره ولم يلتفت إليه. ولرد خبر الفاسق وشهادته مأخذان: أحدهما: عدم الوثوق به؛ إذ تحمله قلة مبالاته بدينه على تعمد الكذب. والثاني: هجره على إعلانه بفسقه ومجاهرته به. ومدار قبول الشهادة وردها على غلبة ظن الصدق وعدمه, والصواب المقطوع به أن العدالة تتبعض؛ فيكون الرجل عدلا في شيء فاسقا في شيء، فإذا تبين للحاكم أنه عدل فيما شهد به قَبِل شهادته ولم يضره فسقه في غيره. وقد استأجر النبي t هاديا يدله على طريق المدينة، وهو مشرك على دين قومه، ولكن لما وثق بقوله أمنه ودفع إليه راحلته وقبل دلالته.

وذلك كالفاسق بعمله أو باعتقاده إذا كان متحفظا في دينه فإن شهادته مقبولة وإن حكمنا بفسقه، كأهل البدع والأهواء الذين لا نكفرهم كالرافضة والخوارج والمعتزلة ونحوهم إلا المتدينين بالشهادة لموافقيهم بالكذب، هذا منصوص الأئمة. وإنما منع الأئمة قبول رواية الداعي المعلن ببدعته وشهادته والصلاة خلفه: هجرا له وزجرا لينكف ضرر بدعته عن المسلمين لا لكونها مردودة.

وعلى هذا، فإذا كان الناس فساقا كلهم إلا القليل النادر, قبلت شهادة بعضهم على بعض، ويحكم بشهادة الأمثل من الفساق فالأمثل، هذا هو الصواب الذي عليه العمل، وإن أنكره كثير من الفقهاء بألسنتهم, كما أن العمل على صحة ولاية الفاسق ونفوذ أحكامه وإن أنكروه بألسنتهم، وكذلك العمل على صحة كون الفاسق وليا في النكاح ووصيا في المال.

الطريق الثامنة عشرة: الحكم بشهادة الكفار. ولها صورتان:

– الأولى: شهادة بعضهم على بعض, وهي جائزة على قول أحمد في رواية, وهو قول عمر بن عبد العزيز والشعبي وشريح والنخعي. والدليل: قوله تعالى: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك}، وقوله تعالى: {والذين كفروا بعضهم أولياء بعض} والولاية أعلى رتبة من الشهادة, وقد حكم رسول الله r بشهادتهم في الحدود. وقد أجاز الله سبحانه شهادة الكافر على المسلمين في السفر في الوصية للحاجة, ومعلوم أن حاجتهم إلى قبول شهادة بعضهم على بعض أعظم من ذلك بكثير. وقد أباح الله سبحانه معاملتهم وأكل طعامهم وحل نسائهم، وذلك يستلزم الرجوع إلى أخبارهم قطعا، فإذا جاز لنا الاعتماد على خبرهم فيما يتعلق بنا من الأعيان التي تحل وتحرم فلأن نرجع إلى أخبارهم بالنسبة لما يتعلق بهم من ذلك أولى وأحرى. وقد أمر الله سبحانه بالحكم بينهم, والحكم إما بالإقرار وإما بالبينة، ومعلوم أنهم مع الإقرار لا يرفعون إلينا ولا يحتاجون إلى الحكم غالبا، وإنما يحتاجون إلى الحكم عند التجاحد وإقامة البينة، وهم في الغالب لا تحضرهم البينة من المسلمين، ومعلوم أن الحكم بينهم مقصوده العدل وإيصال كل ذي حق منهم إلى حقه، والحكم بشهادتهم أقوى من الحكم بمجرد نكول ناكلهم أو يمينه، وهذا ظاهر جدا.

– الثانية: شهادتهم على المسلمين, فتجوز في السفر خاصة إذا لم يوجد مسلم, وقد دل عليها صريح القرآن وعمل بها الصحابة وذهب إليها فقهاء الحديث وجمهور السلف, وبه قال أحمد؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ}. وقال مالك: تجوز شهادة الطبيب الكافر حتى على المسلم للحاجة.

وخالف بعضهم فقال: لا تجوز شهادتهم على المسلمين مطلقا, وقوله: {من غيركم} أي من غير قبيلتكم، روي ذلك عن الحسن والزهري, وقيل: الآية منسوخة، روي هذا عن زيد بن أسلم وغيره, وقيل: المراد بالشهادة فيها: أيمان الوصي بالله تعالى للورثة لا الشهادة المعروفة.

* وعدالتهم غير معتبر في هذه الحال؛ لأن الله لم يشترط ولأنه موضع ضرورة,, ولكن تعتبر في الحكم بينهم.

* وهل يجوز الحكم بكافر وكافرتين؟ مقتضى القياس جواز ذلك, وليس ببعيد عند الضرورة بل هو محض الفقه.

الطريق التاسعة عشرة: الحكم بالإقرار. ويلزم قبوله بلا خلاف. لقوله تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم}, ولا خلاف أنه لا يعتبر في صحة الإقرار أن يكون بمجلس الحاكم إلا شيئا حكي عن ابن أبي ليلى. ويحكم بإقرار الخصم في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان بغير خلاف، فإن لم يسمعه معه غيره فنص أحمد على أنه يحكم به, كما لو قامت بذلك البينة عنده وليس عنده أحد غيره يسمع معه شهادتهما.

الطريق العشرون: حكم القاضي بعلمه. فيقضي بعلمه مطلقا في الحدود وغيرها في زمن ولايته ومكانها, وهو قول أبي حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد؛ لأنه يقضي بشاهدين، وذلك يفيد ظنا، فالعلم أولى بالجواز. ومذهب مالك وأحمد: أنه لا يحكم بعلمه لأجل التهمة, وأجيب بأن القاضي يقبل إخباره عن ثبوت الحق بالبينة بلا خلاف والتهمة قائمة. وفي رواية عنه: يجوز له ذلك إلا في الحدود.

الطريق الحادية والعشرون: الحكم بالتواتر. كما إذا تواتر عند القاضي فسق رجل أو صلاحه ودينه، أو عداوته لغيره، أو فقر رجل وحاجته أو موته أو سفره، ونحو ذلك؛ حكم بموجَبه ولم يحتج إلى شاهدين عدلين، بل بينة التواتر أقوى من الشاهدين بكثير؛ فإنه يفيد العلم، والشاهدان غايتهما أن يفيدا ظنا غالبا. والتواتر يحصل بخبر الكفار والفساق والصبيان.

ولو تواتر عنده زنا رجل أو امرأة لم يحدهما بذلك؛ لأنه لا بد في إقامة الحد بالزنا من معاينة ومشاهدة له، ولا تكفي فيه القرائن واستفاضته في الناس ولا يمكن في العادة التواتر بمعاينة ذلك ومشاهدته؛ للاختفاء به. نعم، لو قدر أن أتى ذلك بين الناس عيانا، وشهد عدد كثير يقع العلم الضروري بخبرهم؛ حُدَّ بذلك قطعا، ولا يحتمل غيره.

الطريق الثانية والعشرون: الحكم بالاستفاضة. وهي درجة بين التواتر والآحاد، فالاستفاضة: هي الاشتهار الذي يتحدث به الناس وفاض بينهم. ويجوز للزوج قذف امرأته ولعانها إذا استفاض في الناس زناها، ويجوز اعتماد الحاكم عليه, وإذا استفاض زنا الذمي بمسلمة قُتل وغن لم يوجد شهود؛ لأن الاستفاضة من أظهر البينات، ولا يتطرق إلى الحاكم تهمة إذا استند إليها, وهي أقوى من شهادة اثنين مقبولين.

الطريق الثالثة والعشرون: الحكم بأخبار الآحاد. وهو أن يخبره عدل يثق بخبره ويسكن إليه بأمر، فيغلب على ظنه صدقه فيه أو يقطع به لقرينة به، فيحكم بذلك، وهذا يصلح للترجيح والاستظهار بلا ريب، ولكن هل يكفي وحده في الحكم، هذا موضع تفصيل.

فيقال: إن اقترن بخبره ما يفيد معه اليقين جاز أن يحكم به وينزل منزلة الشهادة، بل هو شهادة محضة في أصح الأقوال وهو قول الجمهور؛ فإنه لا يشترط في صحة الشهادة ذكر لفظ (أشهد) على مذهب مالك وأبي حنيفة وظاهر كلام أحمد. وعلى هذا, فليس الإخبار طريقا آخر غير طريق الشهادة.

الطريق الرابعة والعشرون: الحكم بالخط المجرد. ومن أمثلتها: أن يرى القاضي ورقة فيها حكمه لإنسان، فيطلب منه إمضاءه والعمل به, فينفِّذه إذا تيقن أنه خطه على قول أبي يوسف ومحمد ورواية عن أحمد. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية: لا يحكم به حتى يذكره. وقد صرح أصحاب أحمد والشافعي بأن الوارث إذا وجد في دفتر مورثه: أن لي عند فلان كذا، جاز له أن يحلف على استحقاقه، وكذلك لو وجد في دفتره: أن أديت إلى فلان ما له علي, جاز له أن يحلف على ذلك إذا وثق بخط مورثه وأمانته.

والإجماع قائم على اعتماد الراوي على الخط المحفوظ عنده، وإلا لضاعت السنن، وكذلك كتب الفقه. وفي ” الصحيح عنه r أنه قال: “ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده”, ولو لم يجز الاعتماد على الخط لم تكن لكتابة وصية فائدة. ولأن الكتابة أقوى من كثير من الأمارات التي يحكم بها؛ فهي أولى أن يثبت بها الحكم ولا سيما عند عدم المعارض, وأما إذا عارضتها بينة لا تتهم ولا تستند إلى مجرد التبديل, بذكر سبب الملك واستمراره، فإنها تقدم على الكتابة.

وقال المانعون من العمل بالخطوط: الخطوط قابلة للمشابهة والمحاكاة، وهل كانت قصة عثمان ومقتله إلا بسبب الخط؟! فإنهم صنعوا مثل خاتمه وكتبوا مثل كتابه حتى جرى ما جرى، ولذلك قال الشعبي: لا تشهد أبدا إلا على شيء تذكره، فإنه من شاء انتقش خاتما، ومن شاء كتب كتابا.

الطريق الخامسة والعشرون: الحكم بالقرعة. ودليلها: قوله تعالى: {وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذا يختصمون}, قال قتادة: كانت مريم ابنة إمامهم وسيدهم, فتشاحَّ عليها بنو إسرائيل، فاقترعوا عليها بسهامهم؛ أيهم يكفلها، فقرع زكريا، وكان زوج أختها، فضمها إليه. وقال تعالى عن يونس: {فساهم فكان من المدحضين}, أي: فقارع فكان من المغلوبين. فهذان نبيان كريمان استعملا القرعة, وقد احتج الأئمة الأربعة بشرع من قبلنا إن صح ذلك عنهم. وفي الصحيحين:

قال رسول الله r : “لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا لاستهموا عليه”, وفيهما: أن النبي r كان إذا أراد سفرا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. وفعلها أصحاب رسول الله r بعده.

وكيفية القرعة تكون بالرقاع والخواتيم والأقداح وغير ذلك, وتستعمل في الأمور التي لا يوجد فيها شيء يرجح أحد الجانبين, وتعين القرعة إلى الله عز وجل، والعبد يفعل القرعة وهو ينتظر ما يعينه له القضاء والقدر شاء أم أبى. وهذا هو سر المسألة وفقهها، فإن التعيين إذا لم يكن لنا سبيل إليه بالشرع فُوِّض إلى القضاء والقدر، وصار الحكم به شرعيا قدريا, شرعيا في فعل القرعة، وقدريا فيما تخرج به.

ومن أمثلة القرعة: أذا اشترى جماعة شيئا فجزَّؤوه, اقترعوا على الأنصباء. وإذا تشاحَّ رجلان على الأذان أو الإمامة واستويا في الصفات.

الطريق السادسة والعشرون: الحكم بالقافة. والقيافة: تتبع الآثار ومعرفتها ومعرفة شبه الشخص بغيره من خلالها. وقد دلت عليها سنة رسول الله r وعمل خلفائه الراشدين والصحابة من بعدهم, وهي قول جمهور الأمة, وخالفهم في ذلك أبو حنيفة وأصحابه، وقالوا: العمل بها تعويل على مجرد الشبه، وقد يقع بين الأجانب وينتفي بين الأقارب, ولأن القائف ليس بشاهد ولا حاكم.

ودليل اعتبارها: قول عائشة رضي الله عنها: دخل علي رسول الله r وهو مسرور تبرق أسارير وجهه، فقال: أي عائشة، ألم تري أن مجززا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدا، وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. متفق عليه، وهذا يدل على أن إلحاق القافة يفيد النسب؛ لإقرار النبي النبي r وسروره به وهو لا يسر بباطل. وقد ثبت في قصة العرنيين أن النبي r بعث في طلبهم قافة، فأتي بهم. رواه أبو داود بإسناد صحيح، فاستدل بأثر الأقدام على المطلوبين.

ودعا عمر بن الخطاب القافة في رجلين اشتركا في الوقوع على امرأة في طهر واحد وادعيا ولدها, فألحقته القافة بأحدهما. والقياس وأصول الشريعة تشهد للقافة؛ لأن القول بها حكم يستند إلى درك أمور خفية وظاهرة، توجب للنفس سكونا، فوجب اعتباره كنقد الناقد وتقويم المقوِّم.

ثالثاً: أصول التقاضي.

  • الدعاوي من حيث القبول والرد.

مذهب أهل المدينة في الدعاوى من أسدِّ المذاهب وأصحها، وهي عندهم ثلاث مراتب:

المرتبة الأولى: دعوى يشهد لها العرف بأنها مشبهة، أي تشبه أن تكون حقا. مثل: أن يدعي سلعة معينة بيد رجل، أو يدعي غريب وديعة عند غيره، أو يدعي مسافر أنه أودع أحد رفقته، ودعوى البيع والشراء ونحو ذلك, فهذه تسمع من مدعيها، وله أن يقيم البينة على مطابقتها أو يستحلف المدعى عليه.

المرتبة الثانية: ما يشهد العرف بأنها غير مشبهة إلا أنه لم يقض بكذبها. مثل: أن يدعي الفقير على رجل معروف بكثرة المال أنه اقترض منه مالا ينفقه على عياله، أو يدعي على رجل لا معرفة بينه وبينه ألبتة أنه أقرضه أو باعه شيئا بثمن في ذمته إلى أجل ونحو ذلك, فهذه تسمع, ولمدعيها أن يقيم البينة على مطابقتها, قالوا: ولا يملك استحلاف المدعى عليه إلا بإثبات خلطة بينه وبينه بسبق تكرار معاملة بينهما مرارا ببيع أو شراء.

المرتبة الثالثة: دعوى يقضي العرف بكذبها. مثل: أن يكون رجل حائزا لدار متصرفا فيها السنين الطويلة بالبناء والهدم والإجارة والعمارة، وينسبها إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها ولا مانع من مطالبته كخوف من سلطان، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعي أنها له ويريد أن يقيم بذلك بينة. فدعواه غير مسموعة أصلا، فضلا عن بينته وتبقى الدار بيد حائزها؛ لأن كل دعوى يكذبها العرف وتنفيها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة, قال الله تعالى: {وأمر بالعرف}.  ومثل ذلك: أن تأتي المرأة بعد سنين متطاولة تدعي على الزوج أنه لم يكسها في شتاء ولا صيف، ولا أنفق عليها شيئا إذا كانت فقيرة والزوج موسر.

* وقال شيخ الإسلام: الدعاوى التي يحكم فيها ولاة الأمور قسمان: دعوى تهمة، ودعوى غير تهمة.

فدعوى التهمة: أن يدعي فعل محرم على المطلوب يوجب عقوبته، مثل قتل أو قطع طريق أو سرقة أو غير ذلك من دعاوي الجناية والأفعال المحرمة, وهي ثلاثة اقسام: فإن المتهم إما أن يكون بريئا ليس من أهل تلك التهمة فلا تجوز عقوبته اتفاقا،

أو فاجرا من أهلها فيعاقب بالحبس وغيره، أو مجهول الحال فيحبس حتى ينكشف حاله عند أكثر الأئمة.

ودعوى غير التهمة: أن يدعي عقدا من بيع أو قرض أو رهن أو ضمان أو غير ذلك. فهذا القسم إن أقام المدعي فيه حجة شرعية، وإلا فالقول قول المدعى عليه مع يمينه؛ لما روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله r : “لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه.

  • البينات حقيقتها وأنواعها.

البينة: اسم لما يبين الحق، وهو أعم من أن يكون برجال أو نساء أو نكول أو يمين أو أمارات ظاهرة. والبينة والدلالة والحجة والبرهان والآية والتبصرة والعلامة والأمارة: متقاربة في المعنى.

فالبينة اسم لكل ما يبين الحق ويظهره, ومن خصها بالشاهدين أو الأربعة أو الشاهد؛ لم يوف مسماها حقه. ولم تأت البينة قط في القرآن مرادا بها الشاهدان, وإنما أتت مرادا بها الحجة والدليل والبرهان مفردة ومجموعة, وكذلك قول النبي r : “البينة على المدعي”, المراد به: أن عليه بيان ما يصحح دعواه ليحكم له.

والشاهدان من البينة, ولا ريب أن غيرها من أنواع البينة قد يكون أقوى منها لدلالة الحال على صدق المدعي؛ فإنها أقوى من دلالة إخبار الشاهد، وقد روى ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبد الله قال: أردت السفر إلى خيبر فأتيت النبي r فقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: “إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإذا طلب منك آية فضع يدك على ترقوته”. فهذا اعتماد في الدفع إلى الطالب على مجرد العلامة وإقامة لها مقام الشاهد.

والبينة: تارة تكون نكولا فقط من غير رد اليمين، وتارة تكون يمينا مردودة مع نكول المدعى عليه، وتارة تكون علامات يصفها المدعي يعلم بها صدقه كما في اللقطة, وتارة تكون شبها بينا يدل على ثبوت النسب كما في القافة, وتارة تكون علامات يختص بها أحد المتداعيين فيقدم بها، كما نص عليه الإمام أحمد في المكري والمكتري يتداعيان دفينا في الدار، فيصفه أحدهما فيكون له مع يمينه، وتارة تكون قرائن ظاهرة يحكم بها للمدعي مع يمينه، كما إذا تنازع الخياط والنجار في آلات صناعتهما، فيحكم بكل آلة لمن تصلح له عند الجمهور، وكذلك إذا تنازع الزوجان في متاع البيت, حكم للرجل بما يصلح له وللمرأة بما يصلح لها، ولم ينازع في ذلك إلا الشافعي.

* ولا يشترط في صحة الشهادة ذكر لفظ (أشهد), بل متى قال الشاهد: رأيت كيت وكيت، أو سمعت، أو نحو ذلك: كانت شهادةً منه، فكل من أخبر بشيء فقد شهد به وإن لم يتلفظ بلفظ “أشهد”, وليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله r موضع واحد يدل على اشتراط ذلك, ولا عن رجل واحد من الصحابة ولا قياس ولا استنباط يقتضيه، بل الأدلة المتضافرة من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ولغة العرب بنفي ذلك, وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وظاهر كلام أحمد.

قال تعالى: {قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا، فإن شهدوا فلا تشهد معهم}, ومعلوم قطعا أنه ليس المراد التلفظ بلفظة “أشهد” في هذا، بل مجرد الإخبار بتحريمه. وقال تعالى: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك}, ولا تفتقر صحة الإسلام إلى أن يقول الداخل فيه: “أشهد أن لا إله إلا الله”, بل لو قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ كان مسلما بالاتفاق. وصح عن النبي r أنه قال في الكبائر: “ألا وقول الزور, ألا وشهادة الزور”, فسمى قول الزور شهادة وإن لم يكن معه لفظ “أشهد”.

  • الأيمان وأنواعها وفوائدها.

الأصل أن اليمين مشروعة في أقوى الجانبين, فتكون في جانب المدعى عليه حيث لم يترجح جانب المدعي بشيء غير الدعوى، فيكون جانب المدعى عليه أولى باليمين؛ لقوته بأصل براءة الذمة، فكان هو أقوى المدعيين باستصحاب الأصل، فكانت اليمين من جهته. فإذا ترجح المدعي بلوث أو نكول أو شاهد كان أولى باليمين لقوة جانبه بذلك, وكذلك الأمناء كالمودع والمستأجر والوكيل والوصي, القول قولهم ويحلفون لقوة جانبهم بالأيمان. فهذه قاعدة الشريعة المستمرة.

والتحليف ثلاثة أقسام: تحليف المدعي، وتحليف المدعى عليه، وتحليف الشاهد.

* فأما تحليف المدعي فمن أمثلته: القسامة فيبدأ فيها بأيمان المدعين ويحكم فيها إما بالقصاص أو بالدية. وكذا إذا ردت اليمين إليه. وإذا شهد له شاهد واحد حلف معه. ومسألة تداعي الزوجين والصانعين، فيحكم لكل واحد منهما بما يصلح له مع يمينه. وتحليف المدعي مع شاهديه.

* وأما تحليف المدعى عليه: فقد تقدم، وقد قال أبو حنيفة: إن اليمين لا تكون إلا من جانبه، وبنوا على ذلك إنكار الحكم بالشاهد واليمين، وإنكار القول برد اليمين، وأنه يبدأ في القسامة.

* وأما تحليف الشاهد: فقال ابن وضاح: أرى لفساد الناس أن يحلف الحاكم الشهود بالله أن ما شهدوا به لحق,

وهذا ليس ببعيد، وقد شرع الله سبحانه وتعالى تحليف الشاهدين إذا كانا من غير أهل الملة على الوصية في السفر، وكذلك قال ابن عباس بتحليف المرأة إذا شهدت في الرضاع، وهو أحد الروايتين عن أحمد. وإذا كان للحاكم أن يفرق الشهود إذا ارتاب فيهم، فأولى أن يحلِّفهم إذا ارتاب بهم.

ومما يلتحق بهذا: لو ادعى عليه شهادة فأنكرها، فهل يحلف وتصح الدعوى بذلك؟ فإن قيل: تصح الدعوى بالشهادة؛ توجَّه؛ لأن الشهادة سبب موجب للحق، فإذا ادعى على رجل أنه شاهد له بحقه فأنكر وسأل يمينه؛ كان له ذلك، فإذا نكل عن اليمين لزمه ما ادعى بشهادته. والصواب أن الشهادة المتعينة حق على الشاهد يجب عليه القيام به ويأثم بتركه, ولكن ليست حقا تصح الدعوى به والتحليف عليه؛ لأن ذلك يعود على مقصودها بالإبطال، فإنه مستلزم لاتهامه والقدح فيه بالكتمان.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد

وعلى آله وصحبه أجمعين, والتابعين لهم بإحسان

 إلى يوم الدين.

#

وكتب: حسن معلم داود المقدشي

  صباح الخميس 6 رجب 1434.